محمد هادي معرفة
115
التمهيد في علوم القرآن
التحدّي والإعجاز واعتصم بها من أيدي المعارضين والمبدّلين ، وأنّ ذلك الجمال ما كان ليكفي وحده في كف أيديهم عنه ، بل كان أجدر أن يغريهم به ، ذلك أنّ الناس - كما يقول الباقلّاني - إذا استحسنوا شيئا اتبعوه ، وتنافسوا في محاكاته بباعث الجبلّة . وكذلك رأينا أصحاب هذه الصناعة يتبع بعضهم بعضا فيما يستجيدونه من الأساليب ، وربّما أدرك اللاحق فيهم شأو السابق أو أربى عليه ، كما صنع ابن العميد بأسلوب الجاحظ ، وكما يصنع الكتّاب والخطباء اليوم في اقتداء بعضهم ببعض . وما أساليب الناس على اختلاف طرائقها في النثر والشعر إلّا مناهل مورودة ومسالك معبّدة ، تؤخذ بالتعلّم ، وتراضّ الألسنة والأقلام عليها بالمرانة ، كسائر الصناعات . فما الذي منع الناس أن يخضعوا أسلوب القرآن لألسنتهم وأقلامهم وهم شرع في استحسان طريقته ، وأنّ أكثرهم الطالبون لإبطال حجته . ما ذاك إلّا أنّ فيه منعة طبيعيّة كفّت ولا تزال تكفّ أيديهم عنه ، ولا ريب أنّ أوّل ما تلاقيك هذه المناعة فيما صوّرناه لك من غريب تأليفه في بنيته ، وما اتخذه في رصف حروفه وكلماته وجمله وآياته ، من نظام له سمت وحده وطابع خاصّ به ، خرج فيه عن هيئة كلّ نظم تعاطاه الناس أو يتعاطونه ، فلا جرم لم يجدوا له مثالا يحاذونه به ، ولا سبيلا يسلكونه إلى تذليل منهجه . وآية ذلك أنّ أحدا لو حاول أن يدخل عليه شيئا من كلام الناس ، من السابقين منهم أو اللاحقين ، من الحكماء أو البلغاء أو النبيّين والمرسلين ، لأفسد بذلك مزاجه في فم كلّ قارئ ولجعل نظامه يضطرب في اذن كلّ سامع ، وإذا لنادى الداخل على نفسه بأنّه واغل دخيل ، ولنفاه القرآن عن نفسه كما ينفي الكير خبث الحديد . وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ . لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ « 1 »
--> ( 1 ) فصلت : 41 - 42 .